في التاسع من يونيو 2026، وقف الأمين العام للأمم المتحدة في قاعة الجمعية العامة ليفتتح الدورة التاسعة عشرة لمؤتمر الدول الأطراف، احتفالًا بمرور عشرين عامًا على اعتماد اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. كنتُ أتابع الكلمة، لكن ذهني كعادته منذ أكثر من عقدين في هذا الميدان لم يكن في القاعة الفخمة بنيويورك، بل مع وجوه أعرفها بأسمائها: أمٌّ في قرية بأسيوط تنتظر منذ شهور جهاز حركة لابنها، و شابٌّ كفيف في القاهرة يحمل مؤهلًا جامعيًا و ملفًا سميكًا من طلبات التوظيف المرفوضة، و عاملة مجتمعية في شرق أفريقيا تغطي وحدها عشرات القرى. و سؤال واحد ظل يلحّ عليّ طوال الكلمة: بعد عشرين عامًا من هذا الوعد الكبير، ماذا وصل من نيويورك إلى هؤلاء؟
ما الذي تغيّر فعلًا
الإنصاف يقتضي أن نبدأ بما تحقق، و هو ليس قليلًا. في تقديري، غيّرت الاتفاقية ثلاثة أشياء جوهرية لا يستطيع من عاش ما قبلها أن ينكرها.
غيّرت أولًا اللغة: نشأ جيلٌ كامل في عالم يقول «شخص ذو إعاقة» بدل الكلمات الجارحة التي عرفتها بدايات حياتي المهنية. و قد تبدو اللغة تفصيلًا، لكن من خبرتي في تدريب آلاف الممارسين أقول: حين تتغير الكلمات تتغير ببطء و لكن بثبات العقول التي تستخدمها.
و غيّرت ثانيًا الهوية القانونية: لم يعد الشخص ذو الإعاقة متلقيًا للإحسان بل صاحبَ حق يطالب به. و هذا هو التحول الذي وصفه الأمين العام في كلمته: انتقال فهم الإعاقة من النموذج الطبي و الخيري إلى نموذج يضع حقوق الإنسان في صميمه.
و غيّرت ثالثًا البنية التشريعية للعالم: 192 دولة صدّقت على الاتفاقية، و أكثر من 90% من الدول لديها اليوم قوانين تضمن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، و نحو 80% تحظر التمييز في التوظيف، و 75% شرّعت لدمج الطلاب ذوي الإعاقة في التعليم. هذه الأرقام لم تهبط من السماء؛ خلفها عقود من نضال الأشخاص ذوي الإعاقة و منظماتهم، و من واجبنا أن نحفظ لهم هذا الفضل قبل أي نقد.
صراحة نادرة... و أرقام قاسية
ما لفتني في كلمة الأمين العام أنها لم تكن احتفالية خالصة. فقد أقرّ بأن أحدث تقرير أممي عن الإعاقة و التنمية يُظهر أن جميع مؤشرات أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالأشخاص ذوي الإعاقة تقريبًا خارج المسار، و وصف التقدم بأنه حقيقي لكنه بطيء بدرجة غير مقبولة. و أشار إلى أن أزمات العالم من تغيّر المناخ إلى النزاعات إلى موجة الغلاء يدفع الأشخاص ذوو الإعاقة ثمنها مضاعفًا.
أحترم هذه الصراحة؛ فمنظومة دولية تعترف بقصورها أصلحُ حالًا من منظومة تكتفي بالتصفيق لنفسها. لكن خبرة الميدان علمتني أن التشخيص الصادق نصف الطريق فقط و النصف الأسهل.
تأملوا المفارقة: أكثر من 90% من الدول لديها قوانين، و جميع المؤشرات التنموية تقريبًا متعثرة. هذه المسافة بين النص و النتيجة هي القصة الحقيقية للذكرى العشرين.
الفجوة كما تُعاش من القاهرة إلى القارة
خذوا مصر مثالًا أعرفه عن قرب. صدّقت بلادنا على الاتفاقية عام 2008 ضمن الموجة الأولى من الدول، ثم نصّ دستور 2014 صراحةً على حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، و صدر القانون رقم 10 لسنة 2018 و هو من القوانين المتقدمة في المنطقة، و تأسس المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة، و أُدمج مكوّن للإعاقة في برنامج تكافل و كرامة، و تُبنى منظومة التأمين الصحي الشامل محافظةً بعد محافظة، و ينص القانون على نسبة 5% في التوظيف. بنيةٌ لا تُقارن بما كان قبل عشرين عامًا و هذه حقيقة يجب أن تُقال.
لكن الأسرة التي ألتقيها في الميدان ما زالت تتنقل بين خمس جهات لتجمع حقوقًا كان يمكن أن تصلها من نافذة واحدة، و ما زال شابٌّ مؤهل يصطدم بنسبةٍ تتحول في التطبيق إلى وظائف شكلية، و ما زالت المسافة بين القانون في القاهرة و قريةٍ في الصعيد تُقاس بالسنوات لا بالكيلومترات.
و في أفريقيا الصورة نفسها مكبّرة: تصديق شبه شامل على الاتفاقية، و بروتوكول أفريقي خاص بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة اعتمده الاتحاد الأفريقي عام 2018 لكنه احتاج سنوات طويلة ليبلغ التصديقات اللازمة لدخوله حيز النفاذ، و ما زالت غالبية الدول خارجه. و على الأرض: ميزانيات شحيحة، و بيانات لا تكاد ترى الأشخاص ذوي الإعاقة، و كوادر تأهيل لا تغطي عُشر الاحتياج. الفجوة ليست في النصوص؛ الفجوة في المسافة بين النص و الإنسان.
لماذا تتسع الفجوة؟ ثلاثة أسباب من الميدان
السبب الأول: تشريع بلا موازنة. معظم قوانيننا وُلدت دون بنود إنفاق واضحة قابلة للتتبع، فبقي الحق معلقًا على «حسب الإمكانيات» و هي عبارة تعني عمليًا التأجيل إلى أجل غير مسمى. القانون الذي لا يملك ميزانية لا يملك إلا حبره.
السبب الثاني: بيانات لا ترى. لا يمكن تخطيط خدمة لمن لا يظهر في الأرقام. و في كثير من بلداننا ما زالت أنظمة الإحصاء تتعامل مع الإعاقة كخانة هامشية، فتُبنى السياسات على تقديرات تبخس الاحتياج الحقيقي بفارق كبير.
السبب الثالث: و هو الأقرب إلى قلب تخصصي: غياب آلية التوصيل المجتمعي. الحق لا يمشي وحده من العاصمة إلى القرية؛ يحتاج من يحمله: عامل مجتمعي مدرّب، و خدمة قريبة، و أسرة تعرف حقوقها. هذا تحديدًا ما يقدمه نهج التأهيل المرتكز على المجتمع و التنمية المجتمعية الدامجة، الذي رأيته يعمل في قرى لا يصلها غيره و مع ذلك لم يجد له موضعًا في خطاب الاحتفالات. و لهذا الغياب قصة تستحق مقالًا مستقلًا، سأنشره قريبًا.
و أضيف سببًا رابعًا صامتًا: مشاركة منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة التي ما زالت في كثير من مؤسساتنا مجاملةً بروتوكولية لا شراكةً في القرار رغم أن المادة الرابعة من الاتفاقية توجب التشاور الوثيق و الإشراك الفعلي. و المشاركة التي لا تترك أثرًا يمكن تتبعه في الخطط و الموازنات ليست مشاركة؛ إنها صورة تذكارية.
العقد القادم: من الاحتفال إلى الحساب
إذا أردنا أن تكون الذكرى الثلاثون مختلفة عن العشرين، فإن أجندة العقد القادم واضحة في نظري: تمويل التنفيذ لا التشريع فقط، ببنود موازنة معلنة لكل حق؛ و أنظمة بيانات ترى الجميع و تصنّف حسب الإعاقة؛ و استثمار جاد في أنظمة التوصيل المجتمعية بوصفها البنية التحتية للميل الأخير من الحقوق؛ و انتقال منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة من مقعد الاستشارة الرمزية إلى شراكة القرار و الرقابة؛ و مساءلة علنية دورية يناقشها البرلمان و الإعلام، لا تقارير تُحفظ في الأدراج.
لا شيء من هذا يحتاج معجزة، و لا حتى اتفاقية جديدة. يحتاج قرارًا و إرادةً تجعل هذا الملف أولوية لا بندًا هامشيًا.
خلاصة
عشرون عامًا في هذا الميدان علمتني أن الوثائق مهما عظمت لا تغيّر الحياة؛ الناس الذين يأخذونها على محمل الجد هم من يغيّرونها. خلف كل حق تحقق في هذه الأعوام أمٌّ رفضت أن تستسلم، و معلم فتح بابه، و مسؤول طبّق القانون حين كان التجاهل أسهل، و منظمة أصرّت على مقعدها.
الاتفاقية وعدٌ و الوعود لا تتجدد بالاحتفالات، بل بالممارسة. و السؤال الذي أتركه لكل قارئ، مسؤولًا كان أو ممارسًا أو أحد الوالدين أو شخصًا ذا إعاقة: ما الذي ستفعله أنت، من موقعك، كي يصل هذا الوعد إلى عتبة بيتٍ لم يصله بعد؟
Comments (0)