منذ 4 أيام
إدارة التغيير: لماذا نبدأ بما نفترضه، لا بما نخطّط له
كل برنامج نطلقه محمّل بافتراضات صامتة عن كيف يحدث التغيير. نفترض أنّ التدريب يقود إلى الثقة، وأنّ الثقة تقود إلى الفرصة، وأنّ الأسرة ستدعم ابنتها حين ترى أثر مشاركتها. هذه الافتراضات تبدو لنا بديهية إلى درجة أننا لا نراها — تماماً كما لا تتحدّث السمكة عن الماء الذي تسبح فيه. وهنا تكمن الخطورة: حين تكون الافتراضات خفيّة، لا يمكن اختبارها، وحين لا تُختبر، نبني برامجنا على رمل.
هذا هو جوهر نظرية التغيير: ليست خطة، بل فرضية. هي روايتنا عن كيف نظنّ أنّ التغيير سيحدث، مكتوبةً بصراحة كافية لتُناقَش وتُراجَع وتُعدَّل. الفرق بينها وبين الإطار المنطقي التقليدي (Logframe) ليس فرقاً تقنياً، بل فرق في الموقف من الواقع: الإطار المنطقي يصف خطاً مستقيماً من النشاط إلى الأثر، فيبسّط تعقيداً لا يُبسَّط. أمّا نظرية التغيير فتفتح مساحة للسؤال: لماذا نظنّ أنّ هذا سيقود إلى ذاك؟ ومن قال؟ وتحت أيّ شروط؟
في تجربتي مع برنامج "وصول" في صعيد مصر، أدركنا أنّ أصعب لحظة ليست تصميم الأنشطة، بل لحظة تسمية الافتراض الذي نتجنّب الاعتراف به. كنّا نفترض أنّ توفير الخدمة يكفي لإحداث الدمج. ثم رأينا عن كثب أنّ الخدمة قد تصل بينما يبقى الموقف المجتمعي على حاله. فالافتراض الذي لم نُسمّه — أنّ الوصول المادّي يساوي القبول الاجتماعي — كان أضعف حلقة في سلسلتنا. تسميته صراحةً غيّرت تصميمنا كلّه.
ولأنّ التغيير المجتمعي معقّد، فإنّ نظرية التغيير تطلب منّا أن نختار. لا يمكن أن نغيّر كلّ شيء، فنحدّد ثلاثة إلى خمسة محاور للتغيير — مساحات واسعة يجب أن يتحرّك فيها الواقع لكي يتحقّق التغيير المنشود: سلوك مقدّمي الخدمة، مواقف الأسر، السياسات المحلية، وعي الأشخاص ذوي الإعاقة بحقوقهم. اختيار هذه المحاور هو فعل استراتيجي بامتياز؛ فهو يقول صراحةً: هنا نراهن، وهنا نضع طاقتنا.
ويساعدنا في ذلك تمييزٌ بسيط لكنّه عميق: التغيير يحدث في أربعة أبعاد متشابكة. تغييرٌ شخصي في وعي الفرد وثقته؛ وتغييرٌ في العلاقات بين الناس؛ وتغييرٌ في الأنماط الجماعية والثقافة والقيم المشتركة؛ وتغييرٌ في الأساس من قوانين وسياسات وإجراءات. أغلبنا يميل تلقائياً إلى بُعدٍ واحد — بعضنا يبدأ دائماً بالقانون، وبعضنا بالتوعية والفرد. لكنّ التغيير الحقيقي نادراً ما يكتفي ببُعد واحد. حين أراجع برامجي، أسأل: في أيّ بُعد نعمل فعلاً؟ وأيّ بُعد نتجاهله لأنّه خارج منطقة راحتنا؟
ويبقى المبدأ الذي لا أساوم عليه: نظرية التغيير لا تُصمَّم في غرفة مغلقة من الخبراء، بل تُبنى مع من نعمل لأجلهم. "لا قرارات عنّا بدوننا" ليست شعاراً نزيّن به التقارير، بل شرطاً منهجياً: حين يشارك الأشخاص ذوو الإعاقة وأسرهم في صياغة الفرضية، تصبح الفرضية مطابقة للواقع لا للخيال. وكثيراً ما تكون أخطر الافتراضات هي تلك التي يحملها الخبير وحده، ولا يحملها المجتمع.
فكيف يبدأ القارئ — مديراً كان أو ممارساً أو ناشطاً — في تطبيق هذا على نفسه ومؤسسته؟ ابدأ بجلسة واحدة لا أكثر: اجمع فريقك واطرح سؤالاً واحداً عن مبادرتكم الحالية — "ما الذي نفترضه ضمناً لكي ينجح هذا؟" دوّنوا كلّ افتراض، مهما بدا بديهياً، ثم ضعوا علامة بجانب الافتراضات التي لو سقطت لسقط البرنامج كلّه. هذه هي افتراضاتكم الحرجة، وهي بالضبط ما يجب أن تراقبوه طوال التنفيذ. لا تحتاجون إلى استشاري ولا إلى نموذج معقّد؛ تحتاجون إلى الشجاعة لتسمية ما تتجنّبون تسميته.
إدارة التغيير، في نهاية المطاف، ليست فنّ السيطرة على المستقبل، بل فنّ البقاء صادقين أمامه. **نحن لا نُدير التغيير حين نتحكّم فيه، بل حين نُسمّي رهاناتنا بصوتٍ عالٍ ونتجرّأ على اختبارها.** فاسأل مؤسستك اليوم: ما الافتراض الذي نبني عليه كلّ شيء، ولم نتجرّأ بعدُ على وضعه تحت الضوء؟

Comments (0)