تتضمن أدوات الإتاحة ميزات للقراءة والتنقّل الصوتي. اضغط Enter أو مفتاح المسافة لفتحها، ثم انتقل إلى قسم التنقّل وفعّل زر التنقّل الصوتي.
العودة إلى المنشورات →
دأ

منذ شهر

الأسماك لا تتحدث عن الماء: لماذا تفشل برامجُ جيدة، ونحن لا ندري لماذا

حين يتعثّر برنامجٌ صمّمناه بعناية، يكون ردّ فعلنا الأول دائماً متشابهاً: نبحث عن خللٍ في التنفيذ. نقول إن التدريب لم يكن كافياً، أو إن الفريق كان مُثقلاً بالأعباء، أو إن التمويل وصل متأخراً. و نادراً ما نتوقف عند السؤال الأصعب: ماذا لو لم يكن الخلل في طريقة تنفيذنا للبرنامج، بل في الفكرة التي بُني عليها منذ البداية؟
هناك فرقٌ جوهري بين نوعين من الفشل، كثيراً ما نخلط بينهما. الأول فشلٌ في التنفيذ: الفكرة كانت سليمة، لكننا لم نُنفّذها كما ينبغي. و الثاني فشلٌ في النظرية: نفّذنا كل شيء كما خطّطنا، تماماً كما أردنا، و مع ذلك لم يحدث التغيير الذي توقّعناه لأن تصوّرنا عن كيفية حدوث التغيير كان خاطئاً منذ الأساس. و حين نخلط بين الاثنين، نُصلح ما ليس معطوباً، و نكرر الخطأ نفسه في البرنامج التالي.
و المشكلة أن كل برنامجٍ نصمّمه محمّلٌ بافتراضاتٍ صامتة عن كيفية حدوث التغيير افتراضاتٍ لا نراها لأنها أصبحت جزءاً من طريقة تفكيرنا. هناك عبارةٌ بليغة تصف هذا الحال: “الأسماك لا تتحدث عن الماء”. فالماء محيطٌ بها من كل اتجاه، حاضرٌ في كل لحظة، و لهذا بالذات لا تنتبه إليه. و كذلك افتراضاتنا: نبني عليها كل قراراتنا، لكننا لا نلاحظها لأنها بديهيةٌ بالنسبة لنا. و كما يضع إطار هيفوس حول نظرية التغيير الأمر بصراحة: نحن جميعاً منحازون. و الافتراض في جوهره اعتقادٌ نُسلّم بصحته دون أن نتحقق منه.

دعوني أوضح بمثالٍ من ميداننا. لسنوات، حملت كثيرٌ من برامج الإعاقة افتراضاً ضمنياً بسيطاً: إذا وفّرنا كرسياً متحركاً لطفل، فسيذهب إلى المدرسة. الكرسي وسيلةٌ مساعدة، و الوسيلة المساعدة أحد مكوّنات مصفوفة التأهيل المرتكز على المجتمع فبدا المنطق سليماً. لكنني رأيتُ عن كثبٍ كيف يبقى الكرسي في زاوية البيت، بينما الطفل في مكانه لم يتحرك. لم يكن العائق غياب الكرسي، بل مدرسةٌ بلا منحدر، و معلّمٌ لا يعرف كيف يتعامل، و أسرةٌ تخشى نظرة الجيران. الافتراض الذي بنينا عليه البرنامج “الوسيلة المساعدة تكفي” كان هو نفسه موضع الخطأ.
و هنا تكمن قيمة نظرية التغيير الحقيقية. فهي ليست أداةً لرسم مخطّطٍ جميل في مرحلة التصميم، بل وسيلةٌ لإخراج هذه الافتراضات الصامتة إلى النور قبل أن تُكلّفنا سنواتٍ من العمل. حين نُجبر أنفسنا على كتابة ما نفترضه “نفترض أن توفير الكرسي سيؤدي إلى الالتحاق بالمدرسة” يصبح الافتراض مرئياً، و ما إن يصبح مرئياً حتى يصبح قابلاً للفحص. عندئذٍ نسأل: هل لدينا دليلٌ على صحة هذا؟ و ما الشروط التي يصحّ في ظلها؟

و ليست كل الافتراضات متساوية في الأهمية. بعضها هامشي، و بعضها حرج: إن سقط، سقط البرنامج كله. الافتراض الحرج هو الذي يستحق انتباهنا ذاك الذي يجمع بين احتمالٍ عالٍ أن يكون خاطئاً، و عواقبَ جسيمة إن كان كذلك. و وظيفتنا ليست التحقق من كل افتراض، بل تحديد الافتراضات القليلة التي يتوقف عليها نجاح العمل، و مراقبتها عن كثبٍ طوال التنفيذ، لا عند تصميمه فقط.
و هذا يقودنا إلى ما نقيسه. فحين نراقب المخرجات وحدها عدد الكراسي الموزّعة، عدد الجلسات المنفّذة فنحن نتحقق من أننا نفّذنا الخطة، لا من أن التغيير حدث. أما حين نراقب افتراضاتنا إلى جانب مخرجاتنا، فنحن نتعلّم: هل كان تصوّرنا عن التغيير صحيحاً؟ و ما الذي فاتنا إن لم يكن؟ الفرق بين العدّ و القياس هو الفرق بين أن نُثبت أننا عملنا، و أن نفهم إن كنا قد أحدثنا فرقاً.

في النهاية، البرامج الجيدة لا تفشل غالباً لأننا نفّذناها بإهمال، بل لأننا لم نتوقف لنسأل عمّا نفترضه. الافتراض الذي لا نراه هو الذي يهزمنا. فقبل أن تُطلق برنامجك القادم، اطرح السؤال الذي نتجنّبه عادةً: ما الذي نفترض أنه صحيحٌ هنا و هل تحقّقنا منه فعلاً؟

التعليقات (0)