د. أيمن الطنطاويالمدير التنفيذي لجمعية كيان للأشخاص ذوي الإعاقة · رئيس الشبكة الإفريقية للتأهيل المرتكز على المجتمع
بعد ٢٣ عامًا في كيان، أستطيع أن أُجزم بشيء واحد: لا توجد دورة قيادية في العالم تُعلّم ما تعلّمه أزمة واحدة حقيقية. القيادة كمفهوم تُقرأ في الكتب. القيادة كممارسة تُمتحَن في الأزمات.
في هذا النصّ، أحاول أن أشارك ما تعلّمتُه من أزمات متتابعة عبرها كيان خلال ربع قرن: التحوّلات السياسية في ٢٠١١ و ما تلاها، التعويم المتكرر للجنيه، جائحة كورونا، انكماش التمويل الدولي، الأزمات التشغيلية اليومية في فروع تمتدّ من القاهرة إلى أقاصي الصعيد. لم تُكتب الدروس هنا في صورة وصايا بل كتأمّلات صادقة من قائد عاشها.
الدرس الأول: الأزمة لا تصنع القائد، بل تكشفه
حين تأتي الأزمة، لن تكتسب صفات جديدة. ستظهر صفاتك الحقيقية كما هي. القائد المتردّد قبل الأزمة سيكون متردّدًا فيها. القائد المنعزل سيختفي. القائد الشفّاف سيواصل شفافيته. القائد المتحكّم سيصبح أكثر تحكّمًا.
هذا الدرس قاسٍ، لكنه تحرّري. لأنه يعني أن العمل على نفسك كقائد ليس "رفاهية" تأجَّل إلى وقت الفراغ هو استعداد للأزمة القادمة التي لا تعرف موعدها.
في ٢٠١١، حين تغيّر المشهد السياسي في مصر، اكتشفت أن قراراتي الأولى لم تكن جديدة بل كانت امتدادًا طبيعيًّا لكيف أعمل في الأيام العادية. و هذا أرعبني و أطمأنني في الوقت ذاته.
الدرس الثاني: الفريق يتذكّر طريقة القرار، لا القرار نفسه
في الأزمة، نظنّ أن قرارنا هو محور كل شيء. الواقع غير ذلك. القرار الصحيح المُتَّخذ بطريقة سيئة يُفقد القائد ثقة فريقه. و القرار الناقص المُتَّخذ بطريقة شفّافة و محترمة يبقى مع الفريق سنوات.
تعلّمت أن أشرح دائمًا: ما البيانات التي بُني عليها القرار؟ ما البدائل التي درسناها؟ لماذا اخترنا هذا البديل؟ ما الذي يمكن أن نكون مخطئين فيه؟ هذه الأسئلة الأربعة، حين تُجاب علنًا أمام الفريق، تحوّل القرار من إملاء إلى شراكة.
خلال جائحة كورونا، حين اضطُررنا لإيقاف بعض الخدمات و إعادة هيكلة فروع، شرحتُ هذه الأسئلة الأربعة في كل اجتماع. لم نتّفق دائمًا لكن لم يتركني أحد لأنه لم يفهم.
الدرس الثالث: الصمت في الأزمة أخطر من القرار الخاطئ
حين تأتي الأزمة، أول ردّ فعل قيادي إنساني هو الانسحاب: "دعوني أفكّر"، "سأعود إليكم بعد التشاور"، "الموقف غير واضح بعد". هذه إجابات صحيحة في ظاهرها، خاطئة في عمقها.
الفريق في الأزمة لا يحتاج أن تكون متأكّدًا. يحتاج أن تكون حاضرًا. القائد الذي يختفي وراء غموض الموقف يخلق في فريقه قلقًا أعمق من قلق الأزمة نفسها. لأن الموظف لا يخاف من المعلوم بقدر ما يخاف من المجهول.
تعلّمت أن أقول صراحة: "لا أعرف. لكنني سأخبركم بما أعرفه أسبوعيًّا، وبما لا أعرفه أيضًا." هذا الالتزام بالحضور حتى في غياب الإجابات أقوى من ألف خطاب حماسي.
الدرس الرابع: حماية الفريق قبل حماية المؤسسة
في الأزمة، تتقاطع المصالح: قد تكون مصلحة المؤسسة ماليًّا هي تخفيض الكادر. و قد تكون مصلحة الفريق هي الحفاظ على كل وظيفة. القائد الناضج لا يختار بسهولة بين الاثنين، و لا يدّعي أن لا تعارض بينهما.
موقفي عبر السنوات: حماية الفريق ليست قرارًا عاطفيًّا، بل استثمارًا استراتيجيًّا. لأن الفريق الذي شاهد قائدًا يحارب لأجله في الأزمة، يحارب لأجل المؤسسة عقدًا كاملًا بعدها.
في كل أزمة عبرناها في كيان، كان قراري الأول: ابحثوا عن خمسة قرارات تخفّض التكلفة قبل أن نناقش تخفيض العمالة. و في أغلب الأحيان، كنا نجد ما يكفي. ليس دائمًا لكن في أغلب الأحيان.
الدرس الخامس: السياق المصري له خصوصيته في الأزمة
ما يصلح للقيادة في أزمة في سياق غربي قد لا يصلح في السياق المصري. في مصر، الفريق يحمل إلى العمل قلقه على الأسرة، و على الأبناء، و على المستقبل الاقتصادي العام. القائد الذي يتجاهل هذا البُعد و يتصرّف كأن العاملين أمامه "موارد بشرية" فقط، يخسرهم نفسيًّا قبل أن يخسرهم وظيفيًّا.
تعلّمت أن أُدرج في حساباتي القيادية: تأثير القرار على المستوى المعيشي للفريق، إيقاع الأسواق المحلية، ضغط الأسعار، حالة المجتمعات التي نخدمها. هذه ليست "تليُّنًا" هي قراءة ذكية للسياق الذي نعمل فيه.
الدرس السادس: بعد الأزمة، لا تعد كما كنت
أكبر خطأ بعد كل أزمة هو محاولة "العودة إلى ما قبلها". المؤسسات الناضجة لا تعود تتطوّر. كل أزمة كشفت فجوة، و من لا يسدّ الفجوة فيها سيُفاجَأ بها مجدّدًا في الأزمة التالية.
بعد كل أزمة عبرتها كيان، خصّصنا جلسة مراجعة هادئة: ما الذي تعلّمناه؟ ما القرار الذي أخّرناه بسبب غياب نظام معيّن؟ ما البيانات التي لم تكن متوفّرة حين احتجنا إليها؟ ثم نبني لا نشتكي.
هذا التحوّل من "النجاة من الأزمة" إلى "التعلّم من الأزمة" هو ما حوّل كيان من مؤسسة تنجو إلى مؤسسة تنضج.
خاتمة: الأزمة هدية مقنّعة
أعرف أن هذه العبارة قد تبدو مستفزّة لمن هو في قلب أزمة الآن. لكنّني أقولها بعد ٢٣ عامًا من المعايشة: كل أزمة عبرتها كيان جعلتها أقوى ليس لأن الأزمة لطيفة، بل لأن قيادتنا كانت يقظة.
الأزمات لا تختار من تزور. لكنها تختار من تترك أثرًا عميقًا فيه — بحسب ما كان مستعدًّا لها.
إلى كل قائد يقرأ هذا في لحظة أزمة: لا تبحث عن النجاة فقط. ابحث عن الدرس. النجاة وحدها تُبقيك على قيد الحياة. الدرس يُبقي مؤسستك على قيد التطوّر.
Comments (0)