تشمل أجهزة الملاحة الصوتية والقراءة. إضغط على الدخول أو الفضاء لفتحه ثم انتقل إلى قسم الملاحة وتفعيل زر الصوت الملاحية لبدء الاستماع.
العودة إلى المنشورات →
DA

منذ 5 ساعات

الجسر - من الوعد إلى الأثر

على مكتبي وثيقتان. الأولى تنظر إلى الأمام: دليلٌ لبناء نظرية التغيير، يسألنا كيف نظنّ أنّ التغيير سيحدث قبل أن نبدأ. و الثانية تنظر إلى الخلف: دراسةٌ تجمع قصص التغيير كما حدث فعلاً، بعد أن انتهى البرنامج. و لسنوات، رأيت أغلب المؤسسات تمسك بإحدى الوثيقتين و تُهمل الأخرى  فتصمّم بنظرية بلا قياس، أو تقيس بلا نظرية صمّمت عليها. و الحقيقة أنّ هاتين الوثيقتين ليستا منفصلتين؛ إنّهما نصفا دائرة واحدة.

نظرية التغيير هي الوعد: روايتنا المعلنة عن كيف سيتحرّك الواقع. و التغيير الأكثر دلالة هو البرهان: شهادة من عاشوا التغيير على ما تحرّك فعلاً. الأولى فرضية، و الثانية اختبار للفرضية. و حين نفصل بينهما، نخسر أثمن ما في العمل التنموي: القدرة على التعلّم.

و ما يجعل الجسر بينهما متيناً ليس تشبيهاً بلاغياً، بل تطابقاً مفاهيمياً دقيقاً: كلا المصدرين يستخدم المصطلح نفسه "محاور التغيير". في نظرية التغيير، نحدّد محاور التغيير مسبقاً: المساحات الثلاث إلى الخمس التي نراهن أنّ التغيير يجب أن يحدث فيها. و في التغيير الأكثر دلالة، تظهر محاور التغيير لاحقاً: المساحات التي نكتشف، من قصص الناس، أنّ التغيير حدث فيها بالفعل. الكلمة واحدة، و الاتجاه معكوس و هنا بالضبط يولد التعلّم.

تخيّل أنّك صمّمت برنامجاً و افترضت أنّ محاور التغيير الأهمّ هي الاقتصادي و الأكاديمي فالشباب يحتاجون عملاً و شهادة. ثم جمعت قصصهم، فإذا بالمحور الشخصي هو الطاغي: الثقة، الجرأة، الإحساس بالقيمة. هذا بالضبط ما كشفته دراسة الضفة الغربية، حيث جاء المحور الشخصي في صدارة 178 قصة، و كان في الغالب هو البذرة التي سبقت التغيير الاقتصادي. ماذا يعني هذا؟ يعني أنّ فرضيتك كانت ناقصة لا خاطئة، بل ناقصة. لقد افترضت أنّ الطريق إلى العمل يمرّ بالمهارة، فاكتشفت أنّه يمرّ أوّلاً بالثقة. هذا الاكتشاف، حين يعود ليُعدّل نظرية التغيير، يجعل برنامجك القادم أذكى.

حين تلتقي المحاور التي توقّعتها بالمحاور التي اكتشفتها، تتحقّق فرضيتك. و حين تتباعدان، تكون قد تعلّمت. و كلتا الحالتين مكسب. التطابق يمنحك الثقة في تصميمك؛ و التباعد يمنحك معرفةً لم تكن تملكها. أمّا الكارثة الوحيدة فهي ألّا تقارن أصلاً أن تطلق وعداً و لا تسأل أبداً إن تحقّق.

و هكذا تكتمل الدائرة في خطوات يستطيع أيّ قائد أو مؤسسة أن يسلكها: نصمّم نظرية تغيير مع مجتمعنا، فنُسمّي افتراضاتنا و محاور تغييرنا بوضوح. ننفّذ. ثم نقيس بمنهج التغيير الأكثر دلالة، فندع أصحاب التجربة يروون ما تغيّر و يختارون الأهمّ. ثمّ و هذه الخطوة التي يقفز عنها الجميع نضع المحاور المتوقَّعة بجانب المحاور المكتشفة، و نسأل: أين تطابقتا؟ أين تباعدتا؟ و ماذا يعني ذلك لافتراضاتنا؟ و أخيراً نُعدّل النظرية، و نعيد الدورة. هذا ما يسمّيه أهل التخصّص "الإدارة التكيّفية"، و هو ببساطة: أن نبقى نتعلّم و نحن نعمل.

في الشبكة الإفريقية للتأهيل المرتكز على المجتمع، و في تحضيرنا لمؤتمر القاهرة 2026، أرى في هذه الدائرة أكثر من أداة فنّية؛ أرى فيها فلسفةً للعمل القارّي. فالشبكات لا تتعلّم حين تجمع التقارير الكمّية فحسب، بل حين تربط ما وعدت به بما عاشه الناس فعلاً، عبر سياقات و ثقافات متعدّدة. هذه هي إدارة المعرفة في أنقى صورها: لا أرشفة، بل دورة حيّة من الوعد و البرهان و التعلّم.

نظرية التغيير وعدٌ نقطعه، و التغيير الأكثر دلالة برهانٌ نطلبه. و المسافة بينهما ليست فراغاً نتجاهله، بل هي المكان الوحيد الذي نتعلّم فيه. فاسأل مؤسستك: هل نقيس بالطريقة نفسها التي نصمّم بها؟ و هل نملك الشجاعة لنضع وعدنا بجانب الواقع، و نتعلّم من المسافة بينهما؟

Comments (0)