تشمل أجهزة الملاحة الصوتية والقراءة. إضغط على الدخول أو الفضاء لفتحه ثم انتقل إلى قسم الملاحة وتفعيل زر الصوت الملاحية لبدء الاستماع.
العودة إلى المنشورات →
DA

منذ ساعة

بعد أكثر من عقدين من القيادة... ماذا بقي لأتعلمه عن نفسي؟

 بعد أكثر من عقدين من القيادة... ماذا بقي لأتعلمه عن نفسي؟
د. أيمن الطنطاوي
خبير دولي في التنمية المجتمعية و الدمج | رئيس الشبكة الإفريقية للتأهيل المرتكز على المجتمع

نقضي في قطاع التنمية سنوات طويلة في قياس كل شيء: أثر البرامج، رضا المستفيدين، كفاءة الفرق، جودة الخدمات. نصمم المؤشرات و نراجع التقارير و نسأل بإلحاح: هل أحدثنا فرقاً؟ لكن هناك سؤال واحد نؤجله عاماً بعد عام، و كأننا نخشى إجابته: “متى كانت آخر مرة قسنا فيها أنفسنا كقادة، بنفس الجدية التي نقيس بها برامجنا؟”

قبل أسابيع، و بعد أكثر من عشرين عاماً من تأسيس المؤسسات و قيادة الشبكات و العمل في الميدان من صعيد مصر إلى المنصات الدولية، جلست أمام نتائج تقييم متخصص لنمط الأثر القيادي. و لن أخفي عليكم: دخلت إليه بشيء من التشكك. ماذا سيخبرني تقييم عن نفسي لم تخبرني به عشرون سنة من التجربة؟

الإجابة فاجأتني. لم يخبرني التقييم بشيء جديد تماماً لكنه فعل ما هو أهم: منحني لغة دقيقة لما كنت أعيشه دون أن أسمّيه.

الفرق بين أن تعرف نفسك... و أن تفهمها

في تجربتي، الخبرة الطويلة تمنح القائد حدساً قوياً. تعرف أنك تشتعل حماساً أمام فكرة جديدة، و تفتر همّتك أمام جداول المتابعة التفصيلية. تعرف أنك تستمتع بجمع الشركاء حول طاولة واحدة أكثر من استمتاعك بمراجعة بنود الميزانية. لكن الحدس وحده يبقى انطباعات متناثرة لا خريطة يمكن العمل بها.

ما قدّمه لي التقييم هو تحويل هذه الانطباعات إلى صورة واضحة: طاقة عالية جداً لرؤية الممكن و إطلاق التغيير الجذري، و طاقة قوية لوضع الأفكار في إطار استراتيجي، و طاقة حقيقية لبناء التوافق و حشد الآخرين... و طاقة منخفضة نعم، منخفضة للتنفيذ الروتيني و المتابعة اليومية التفصيلية.

حين قرأت هذا السطر الأخير، توقفت عنده طويلاً. لم يكن اكتشافاً بقدر ما كان اعترافاً مكتوباً بما كنت أعرفه و أتحايل عليه. كم من مرة تراكمت على مكتبي مهام تشغيلية كان يجب أن تُسند منذ أسابيع؟ و كم من مبادرة أطلقتها بحماس المؤسس ثم شعرت بثقلها حين تحولت إلى إدارة يومية؟

الدرس الأكبر: نقطة الضعف ليست عيباً يُصلح، بل تصميماً يُدار

أخطر ما يمكن أن يفعله القائد المخضرم بنتيجة كهذه هو أحد أمرين: أن يرفضها دفاعاً عن صورته، أو أن يجلد نفسه بها. و كلاهما خسارة.

الطريق الثالث و هو ما تعلمته من هذه التجربة أن تتعامل مع نمطك القيادي كما تتعامل مع أي معطى ميداني: بواقعية و تخطيط. طاقتي المنخفضة للتنفيذ الروتيني ليست دعوة لأن "أتحسن" فيه؛ هي دعوة لأن أبني حولي بنية تعوّضه. أن يكون في كل مؤسسة أقودها منفّذ قوي يحمل الإدارة اليومية. أن تكون لكل مبادرة أُطلقها إجابة واضحة عن سؤال: من يحملها أسبوعياً بعد أن أعلنّاها؟

أدركت أن أفضل ما قدمته في مسيرتي جاء حين عملت دون وعي كامل وفق هذه المعادلة. مشروع "وصول" لم ينجح لأنني أدرت تفاصيله، بل لأنه بُني على شبكة جمعيات تحمل التنفيذ بينما كان دوري الرؤية و المواءمة و فتح الأبواب. و حين أتأمل اليوم في مسؤولياتي تجاه المؤتمر العالمي للتأهيل و التنمية الدامجة القاهرة 2026، أرى المعادلة نفسها بوضوح أكبر: موقعي الطبيعي في السردية و الرؤية و المواءمة بين الشبكات، و قوة الحدث ستأتي من قيادة تشغيلية قديرة تقف على أرض صلبة إلى جواري.

القائد الناضج لا يحاول أن يكون كل شيء؛ بل يعرف بدقة ما يضيفه، ويبني بثقة ما يكمّله.

لماذا أكتب هذا الآن؟

لأننا في قطاع العمل الأهلي و التنمية الدامجة نقع كثيراً في مفارقة صامتة: نطالب برامجنا بالقياس و المراجعة و التعلم، و نعفي أنفسنا كقادة من الخضوع للمعايير ذاتها. نتحدث عن بناء قدرات الفرق، و ننسى أن قدرة القائد على فهم ذاته هي البنية التحتية لكل ما عداها.

و أقولها بصراحة لزملائي ممن قطعوا في هذا الطريق سنوات طويلة: لا تظنوا أن أدوات الوعي الذاتي صُممت للشباب في بداية مسيرتهم. على العكس تماماً. كلما طالت تجربتك، صارت المرآة أكثر قيمة لأن لديك من المواقف و القرارات و المحطات ما يجعل كل سطر في التقييم يجد صداه في ذاكرتك. الشاب يقرأ نتيجته فيتخيل؛ أما من قضى عقدين في الميدان فيقرأها و يتذكر.

في مجالنا نردد دائماً مبدأ لا قرارات عنا بدوننا أن يكون أصحاب القضية في قلب القرار. و أظن أن الوعي الذاتي هو ممارسة هذا المبدأ على أنفسنا: أن نكون حاضرين في فهم ذواتنا بدل أن نقود بصورة قديمة عن أنفسنا لم نراجعها منذ سنوات.

ما الذي تغيّر عملياً؟

ثلاثة قرارات خرجت بها من هذه التجربة، أشارككم إياها لعلها تنفع:

أولاً: أعدت النظر في توزيع أدواري: ما الذي يجب أن يبقى بين يديّ لأنه يحتاج طاقتي الحقيقية الرؤية و العلاقات و المواقف الاستراتيجية و ما الذي يجب أن ينتقل فوراً لمن يملك طاقة التنفيذ؟

ثانياً: أصبحت أمنح الناس وقتاً أطول لاستيعاب الأفكار الكبيرة. فما يبدو لي واضحاً كضوء النهار قد يحتاج من فريقي أسابيع ليصبح قناعة و هذا ليس قصوراً فيهم، بل طبيعة في التغيير نفسه.

ثالثاً: صرت أسأل قبل إطلاق أي مبادرة جديدة سؤالاً واحداً حاسماً: هل أُغلقت السابقة أم سلّمتها لمن يكملها؟ فحماس البدايات لا يجوز أن يتحول إلى أرشيف من المشاريع المفتوحة.


بعد كل هذا العمر، تعلمت أن معرفة النفس ليست محطة نصل إليها، بل ممارسة نلتزم بها* تماماً كما نلتزم بقياس أثر برامجنا. القائد الذي يعرف أين تتدفق طاقته يمنح فريقه خريطة واضحة، و يمنح مؤسسته استدامة لا تعتمد على شخصه.

و السؤال الذي أتركه لكم، خاصة من حمل منكم مسؤولية القيادة لسنوات: متى كانت آخر مرة وقفت فيها أمام مرآة منهجية تقيس قيادتك لا إنجازاتك؟ ربما حان الوقت.

Comments (0)