تشمل أجهزة الملاحة الصوتية والقراءة. إضغط على الدخول أو الفضاء لفتحه ثم انتقل إلى قسم الملاحة وتفعيل زر الصوت الملاحية لبدء الاستماع.
العودة إلى المنشورات →
DA

منذ ساعة

قياس الأثر: الرقم يخبرك بالكمّ، و القصة تخبرك بما يهمّ

في وسط سعينا المستمرّ لبناء مجتمعات دامجة و عادلة، يبقى سؤال واحد يطاردنا في كلّ تقرير نكتبه و كلّ مانح نخاطبه: هل أحدثنا فرقاً حقيقياً؟ مؤشّراتنا الكمّية تجيب بثقة عن "كم": كم تدريباً، كم مستفيداً، كم نسبة. لكنّها تصمت أمام السؤال الأعمق ما الذي تغيّر فعلاً في حياة إنسان؟ و ما الذي يهمّه هو، لا ما نظنّه نحن مهمّاً؟

هنا يأتي منهج التغيير الأكثر دلالة، و هو أداة تقييم تشاركية صُمّمت أصلاً للمواقف المعقّدة التي تعجز الأرقام وحدها عن الإحاطة بها. فكرته بسيطة و جذرية في آنٍ: بدلاً من أن نملي على الناس معايير النجاح، نجمع منهم قصص التغيير كما عاشوها، ثم ندعهم هم لا نحن يختارون أيّ قصة هي الأكثر دلالة، و لماذا.

أعود دائماً إلى حالة موثّقة من الضفة الغربية: مشروع الشراكة مع الشباب الذي طبّق هذا المنهج عام 2018. لم يكتفِ المشروع بجمع القصص، بل فعل ما هو أبعد: درّب عشرين شابّاً و شابة كانوا أنفسهم مستفيدين ليصبحوا الباحثين. هم من نظّموا الجلسات القصصية، و هم من سألوا أقرانهم سؤالاً واحداً: "ما هو التغيير الأكثر دلالة في حياتك منذ انضمامك؟" فجمعوا 178 قصة، اختار المشاركون منها عشراً هي الأكثر تأثيراً، بمعايير وضعوها بأنفسهم.

تأمّل ما حدث هنا: المستفيد أصبح الباحث. هذا، في جوهره، تطبيقٌ عملي لمبدأ "لا قرارات عنّا بدوننا" في القياس نفسه. فنحن لا نكتفي بأن نُشرك الأشخاص ذوي الإعاقة و الشباب المهمَّش في تصميم البرامج، بل نُشركهم في الحكم على أثرها. و من يملك حقّ تعريف "الأهمّ" يملك سلطة حقيقية و هذه السلطة، لأوّل مرّة، انتقلت إلى أصحاب التجربة.

و الأجمل أنّ القصص كشفت ما لم تكن الأرقام لتكشفه. حين صنّف الباحثون الشباب قصصهم، برزت أربعة محاور للتغيير: الشخصي، و الاجتماعي، و الاقتصادي، و الأكاديمي. و المفاجأة أنّ المحور الشخصي كان الأعلى بفارق كبير الثقة بالنفس، الجرأة على الكلام أمام الناس، الإحساس بالقيمة. بل إنّ هذا التغيير الشخصي كان في الغالب هو البذرة التي أنبتت التغيير الاقتصادي لاحقاً: الشاب الذي استعاد ثقته هو الذي تجرّأ على المقابلة الوظيفية، و الفتاة التي كسرت حاجز الخوف هي التي قادت مبادرة مجتمعية. الرقم وحده ما كان ليخبرنا بهذا التسلسل الإنساني الدقيق.

لكنّ القصة، مهما كانت مؤثّرة، تحتاج إلى مصداقية. و لهذا لم يتوقّف المنهج عند رواية المستفيد، بل أجرى الباحثون أربعين مقابلة مع شهود آخرين موظّفين، أعضاء مجالس، أفراد أسرة، شباب آخرين للتحقّق من أنّ ما رواه الشباب يطابق ما رآه من حولهم. هذا التثليث هو ما يحوّل القصة من انطباع عابر إلى دليل يُعتدّ به. القياس النوعي ليس تساهلاً منهجياً؛ بل هو انضباط من نوع مختلف.

كيف يطبّق القارئ هذا في مؤسسته، حتى لو كانت صغيرة بلا موازنة بحثية؟ الأمر أبسط ممّا يبدو. اجمع مجموعة صغيرة من المستفيدين في حلقة، و اطرح عليهم السؤال نفسه: "ما أهمّ تغيير حدث في حياتك بسببنا؟" امنح كلّاً منهم دقائق ليروي، ثم اطلب من المجموعة أن تختار معاً القصة الأكثر دلالة و أن تشرح لماذا اختاروها فهذا "اللماذا" هو كنز التقييم الحقيقي، لأنّه يكشف ما يقدّره مجتمعك فعلاً. وثّق القصص، و ادعُ شاهداً مستقلّاً ليؤكّدها. لا تحتاج إلى أكثر من دفتر، و أذنٍ تُصغي، و احترامٍ لمن يروي.

في عملي مع كيان ومسارات، و مع الشبكات الإفريقية و العالمية، رأيت كيف أنّ قصة واحدة صادقة قد تُقنع مانحاً أو وزيراً بما تعجز عنه عشرون صفحة من الجداول. ليس لأنّ الأرقام لا قيمة لها بل لأنّ الأثر الحقيقي يسكن في المعنى، و المعنى لا يُروى إلّا بصوت من عاشه.

الأثر ليس ما نفعله نحن، بل ما يبقى في حياة إنسان بعد أن نرحل والطريق الوحيد لمعرفته هو أن نتواضع و نسأل أصحاب التجربة، ثم ننصت. فابدأ اليوم بسؤال مجتمعك سؤالاً واحداً: ما الذي تغيّر فعلاً كما تراه أنت؟

Comments (0)