تشمل أجهزة الملاحة الصوتية والقراءة. إضغط على الدخول أو الفضاء لفتحه ثم انتقل إلى قسم الملاحة وتفعيل زر الصوت الملاحية لبدء الاستماع.
العودة إلى المنشورات →
DA

منذ 3 ساعات

ما لا نقوله بصوت عالٍ عن ICF: قراءة نقدية من قلب الميدان

ما لا نقوله بصوت عالٍ عن ICF: قراءة نقدية من قلب الميدان
أكتب هذه السطور بصفتي واحداً من أكثر المؤمنين بقيمة التصنيف الدولي للأداء و الإعاقة و الصحة و هذا تحديداً ما يلزمني بنقده. فالإطار الذي لا نجرؤ على نقده لن نحسن استخدامه أبداً، و الاحتفاء الحقيقي بمرور خمسة و عشرين عاماً على اعتماده لا يكون بالمديح وحده، بل بقراءة صادقة لما نجح وما تعثر.

و الجميل أن المادة النقدية لا تحتاج بحثاً بعيداً: الإصدار الاحتفالي نفسه بقصصه الخمس و العشرين يحمل بين سطوره اعترافات صريحة من ميسرين أحبوا التصنيف و عاشوا حدوده. فلنقرأها بعين لا تجامل.

أولاً: تعقيد يرهق الميدان
الشكوى الأكثر تكراراً عبر القصص من هونج كونج إلى كمبوديا إلى الهند هي عبء الترميز و التوثيق. في هونج كونج، وصف الفريق الترميز اليدوي بأنه مستهلك للوقت، صعب الإتقان، عرضة لعدم الاتساق. و في كمبوديا، اعترفت صاحبة التجربة بأن النهج «قيّم لكنه معقد»، يحتاج وقتاً و تدريباً و فهماً مشتركاً و مرافعة دائمة على مستوى الأنظمة. و في الهند، رصد مشروع السجلات الصحية الإلكترونية شعور المهنيين بعبء توثيق إضافي.

هذه ليست شكاوى كسالى؛ إنها إشارة تصميم. حين تحتاج أداة عالمية إلى هذا القدر من الجهد كي تعمل في عيادة مزدحمة، فالمشكلة ليست في الممارسين، بل في المسافة بين طموح الأداة و واقع الميدان.

ثانياً: غموض في قلب المفاهيم
من الدنمارك جاء نقد أعمق و أكثر إحراجاً: مفهوما «القدرة» و «الأداء» وهما من أعمدة التصنيف معرفان في الوثيقة المرجعية بصياغات متداخلة و غامضة جزئياً، و التصنيف نفسه لا يحدد كيف تُقاس المؤهلات (Qualifiers) في الممارسة. بعد ربع قرن، ما زلنا بلا معايير موحدة متفق عليها لتقييم الفرق بين ما يستطيع الشخص فعله و ما يفعله فعلاً و هو الفرق الذي تقوم عليه فلسفة التصنيف كلها.

حين يضطر باحث جاد إلى ابتكار مفهوم جديد بالكامل ليصف فوضى أدوات التقييم القائمة، فنحن أمام فجوة منهجية لا تفصيل هامشي.

ثالثاً: مجموعات أساسية تغفل ما يهم الناس
قصة الناجية من سرطان الثدي في الهند تختصر المفارقة: حين رُبطت أدوات التقييم بالمجموعة الأساسية للناجين من السرطان، تبين أن الإرهاق و تحمل الجهد و جودة الحياة و هي أكثر ما يشكو منه الناجون غائبة عن المجموعة. و المجموعة الشاملة لسرطان الثدي لم تُستكمل عمليات التحقق من صلاحيتها بعد.

و يتصل بهذا قصور أقدم و أعمق: العوامل الشخصية و هي ربع نموذج التصنيف نظرياً ما زالت بلا تصنيف فعلي. في العمل الجنوب أفريقي على ترميز العلاج الوظيفي، لاحظ الفريق أن فهم مشاركة الإنسان يستلزم استكشاف عوامل تتجاوز العمر و الجنس، و هما كل ما تتيحه الأدوات الحالية تقريباً. أي أن الجزء الذي يحمل هوية الإنسان و تاريخه و دوافعه هو الجزء الأقل تطويراً في إطار يدعي قراءة الإنسان كاملاً.

رابعاً: فجوة مزمنة بين النظرية والتطبيق
من فنلندا جاءت الملاحظة التي يرددها كل مدرب صادق: كثير من المهنيين يفهمون التصنيف نظرياً و يعجزون عن تطبيقه عملياً، و المطلوب تجاوز الشروحات المفاهيمية إلى أدوات جاهزة للاستخدام. ربع قرن من التدريب أنتج وعياً واسعاً، لكنه لم ينتج بعد بنية تطبيق متينة: نماذج موحدة، و قواعد ربط واضحة بأدوات القياس الشائعة، و مسارات عمل مدمجة في الأنظمة اليومية لا موازية لها.

خامساً: الذكاء الاصطناعي وعد محفوف بالهلوسة
تجربة مؤسسة ثيوتوكوس اليونانية مع النماذج التوليدية تستحق أن تُدرّس: أكواد غير موجودة، و عناوين فئات مخترعة، و تبريرات مضللة، و حاجة إلى جولات متكررة من التصحيح قبل الوصول إلى تقرير مقبول. التقنية وعدت باختصار الوقت و وفت جزئياً لكنها أثبتت أن أتمتة الترميز بلا إشراف بشري متخصص ليست كفاءة، بل مخاطرة بجودة القرار الإكلينيكي نفسه.

سادساً: و حاجز اللغة في منطقتنا
أضيف من واقعنا العربي نقداً لا يخص التصنيف ذاته بقدر ما يخص منظومته: الموارد التطبيقية العربية أدلة، و أدوات مترجمة محكمة، و دراسات حالة منشورة ما زالت نادرة. في كيان أنجزنا ترجمة عربية معتمدة لأدوات التقييم القائمة على التصنيف بجهد قاده د. أحمد غانم، و في السعودية صدر مورد تعليمي عربي عن الترميز الطبي. لكن لنكن صادقين: ترجمة هنا و مورد هناك لا يصنعان استراتيجية. غياب منظومة تعريب ممنهجة يعني أن آلاف الممارسين العرب يقفون خارج حركة معرفية عالمية لا لنقص في كفاءتهم، بل لنقص في الجسور.

من النقد إلى البناء: خمس خطوات عملية
النقد بلا بدائل ترف فكري، لذا أقترح خمسة مسارات عملية لمن يريد العمل لا الجدل. أولها تطوير مجموعات مختصرة محلية السياق: نموذج كازاخستان ثمانية و عشرون رمزاً لأمراض القدم يثبت أن الاختصار الذكي ممكن، و منطقتنا تحتاج مجموعات مماثلة مكيفة لأولوياتها و واقع خدماتها. و ثانيها تدريب قائم على الحالات لا على المحاضرات، على غرار غرفة الهروب النمساوية و الورش الهندية التي بنت حركة وطنية بالممارسة لا بالتنظير. و ثالثها رقمنة مشروطة: أتمتة الترميز و التوثيق نعم، لكن بشرط الإنسان في قلب الحلقة و مراجعة متخصصة لكل مخرج. و رابعها مأسسة التعريب: تحويل جهود الترجمة المتفرقة إلى برنامج عربي إقليمي للموارد التطبيقية، تتقاسمه المؤسسات بدل أن تكرره. و خامسها توثيق التجارب العربية و نشرها فالحضور في إصدار الخمسين عاماً يبدأ من توثيق اليوم.

و أرى في مؤتمر القاهرة 2026 منصة طبيعية لإطلاق هذا المسار العربي المشترك إن أحسنا التحضير له بوصفه بداية عمل لا نهاية احتفال.

خلاصة
التصنيف الدولي للأداء أعطانا لغة غيرت طريقة رؤيتنا للإنسان و هذا فضل لا يُنكر. لكن اللغة التي لا تتطور تتحجر، و الإطار الذي نقدسه بدل أن نستخدمه و نراجعه يتحول من أداة تحرير إلى طقس إداري.

أجمل وفاء لخمسة و عشرين عاماً من ICF ليس الدفاع عنه، بل تطويره بشجاعة من قلب الممارسة. و السؤال لكل ممارس و باحث عربي: ما النقد الذي تملك شجاعة قوله و البديل الذي تملك همة بنائه؟

Comments (0)