حين يسمع كثيرون عبارة "
رئيس شبكة قارية"، تتشكّل في أذهانهم صورةٌ نمطية: مكتبٌ و لقبٌ و كرسيٌّ على رأس طاولة. لكن بعد أكثر من
18 شهراً في رئاسة الشبكة الإفريقية للتأهيل المرتكز على المجتمع (
CAN)، أدركت أن حقيقة هذا الموقع بعيدةٌ تمامًا عن تلك الصورة. إنه أقرب إلى حمل أمانة منه إلى تولّي منصب.
و الأمانة التي أحملها لم تبدأ معي. وُلدت CAN عام 2001 في أوغندا، حين اجتمع ممارسون من عدة دول إفريقية و أدركوا حقيقة بسيطة: أنهم يعملون في عزلة، و أن المعرفة المتراكمة في كل بلد لا تصل إلى البلد المجاور. فقرّروا أن يبنوا جسرًا. و من ذلك القرار وُلدت أول شبكة قارية للتأهيل المرتكز على المجتمع في العالم شبكةٌ ألهمت لاحقًا نظيراتها في آسيا و أمريكا اللاتينية و المحيط الهادئ، و شاركت عام 2012 في تأسيس الشبكة العالمية (CGN). أن تقود مؤسسةً بهذا التاريخ يعني أن تدرك، كل صباح، أنك حلقةٌ في سلسلة، لا بدايتها ولا نهايتها.
القيادة في الشبكة: مواءمة لا أمر
قضيت سنواتٍ في إدارة المنظمات قبل أن أتولّى هذا الموقع، و ظننت أن المهارة واحدة. لكنني تعلّمت بسرعة أن قيادة شبكة تختلف جوهريًا عن إدارة منظمة. في المنظمة، أنت تُصدر القرار و تتابع تنفيذه. أما في الشبكة، فلا تملك سلطة الأمر؛ تملك فقط قدرتك على بناء التوافق. عملي اليومي في CAN ليس توجيه الأوامر، بل المواءمة: بين خمسة أقاليم إفريقية لكلٍّ منها واقعه، و بين لغاتٍ متعددة العربية و الإنجليزية و الفرنسية و البرتغالية و السواحيلية و بين نحو ثلاثة آلاف عضو يحملون خبراتٍ لا تُحصى.
القوة الحقيقية للشبكة ليست في مركزها، بل في الروابط بين أطرافها. و دور الرئيس أن يقوّي تلك الروابط، لا أن يستبدلها بنفسه.
حين تسلّمت الراية من الزميلة تيريز أدجاي في مارس 2025، وضعت أمامي سؤالًا واحدًا: ما الذي يجعل هذه الشبكة أقوى بعد عامٍ من اليوم؟ لم تكن الإجابة في مشروعٍ واحدٍ لامع، بل في بناءٍ هادئ و متراكم. دعمنا تكوين و تنشيط شبكاتٍ وطنية في النيجر و جنوب السودان و كينيا و الكاميرون و مصر، لأن الشبكة القارية لا تكتمل إلا بشبكاتٍ وطنية تحملها. و حين أطلقنا سلسلة التدريب الإلكتروني على تكوين الشبكات، بدأنا بـ 46 مشاركًا، ثم تجاوزنا 125 و من بينهم من جاؤوا من خارج إفريقيا، من ترينيداد و توباغو و نيفيس و سانت كيتس. و في الخلفية، أنجزنا العمل الذي لا يظهر في الصور: مجلسٌ دوليٌّ استشاريٌّ جديد، و أنظمة مساءلة و متابعة، و إطارٌ لاختيار ممثلي الدول بعد سنواتٍ من التوقف، و شراكةٌ مع Liliane Fonds لبناء مراكز تميّز افتراضية توثّق أفضل الممارسات الإفريقية و تنشرها.
أن تقود يعني أن تتعلّم
لكن أهم درسٍ تعلّمته في هذا الموقع ليس عن الإدارة، بل عن الإصغاء. بعد أكثر من عقدين في هذا المجال، ما زلت مقتنعًا أن أهم صفةٍ في قائد شبكةٍ قارية ليست أن يُعلّم، بل أن يتعلّم. من قرى الصعيد في مصر إلى قاعات جنيف، و من ممرّضٍ مجتمعيٍّ في النيجر إلى باحثٍ في جامعةٍ كينية، لكلٍّ منهم درسٌ يستحق الإصغاء. مهمتي أن أكون أكبر متعلّمٍ في الشبكة: أن أنقل المعرفة من حيث وُجدت إلى حيث تُحتاج. و هذا يقودني إلى مبدأٍ يحكم كل قرارٍ نتخذه: "لا قرارات عنّا بدوننا." الأشخاص ذوو الإعاقة في CAN ليسوا متلقّين للخدمة؛ هم قادةٌ و شركاء في صناعة القرار، و لهذا نحرص على أن يكون للشباب ذوي الإعاقة صوتٌ في مجلسنا وشبكاتنا ومؤتمرنا القادم.
و هنا يأتي ما أعتبره أهم محطةٍ أمامنا: المؤتمر العالمي الثالث للتأهيل المرتكز على المجتمع و التنمية المجتمعية الدامجة، الذي سيُعقد في مصر عام 2027. أن تستضيف إفريقيا هذا المحفل الدولي يعني أن تنتقل القارة من هامش النقاش إلى مركزه؛ أن نستقبل العالم على أرضنا، بشروطنا، و بصوتنا. و لم يكن الوصول إلى هذه اللحظة قرارًا واحدًا، بل سلسلةً طويلة من المتابعة و الصبر و الإقناع. أصعب الأبواب فتحًا هي التي تستحق العبور أكثر.
إن سألتني اليوم ماذا يعني أن أقود الشبكة الإفريقية للتأهيل المرتكز على المجتمع، فلن أتحدّث عن لقبٍ أو موقع. سأقول إنه شرفُ أن تحمل، لبعض الوقت، إرثًا أكبر منك، و أن تسلّمه لمن بعدك أقوى مما تسلّمته. أنجح القادة من يجعل نفسه، في النهاية، غير ضروري. و السؤال الذي أتركه لكل من يقود مؤسسةً في مجالنا: هل نبني أشخاصًا يحتاجوننا، أم أنظمةً و معرفةً تبقى بعدنا؟
Comments (0)