كثيرًا ما تُروى قصة التنمية على أنها طريقٌ باتجاهٍ واحد: الخبرة تأتي من الشمال، و التطبيق يحدث في الجنوب. لكن من موقعي على الجسر بين الميدان الإفريقي و الحركة الدولية للإعاقة، أرى صورةً مختلفة تمامًا صورةً قلّما تُحكى.
الحقيقة التي يجهلها كثيرون أن الحركة العالمية للتأهيل المرتكز على المجتمع تَدين بالكثير لإفريقيا. حين تأسست شبكتنا (CAN) عام 2001، كانت أول شبكة قارية للتأهيل المرتكز على المجتمع في العالم. و لم تبقَ نموذجًا محليًا؛ بل ألهمت ميلاد شبكاتٍ مماثلة في آسيا و أمريكا اللاتينية و المحيط الهادئ. و في عام 2012، في أول مؤتمرٍ عالميٍّ للتأهيل المرتكز على المجتمع في الهند، شاركت CAN في تأسيس الشبكة العالمية (CGN)، و ما زالت عضوًا في مجلسها حتى اليوم. إفريقيا، إذن، ليست متلقّيةً للنموذج؛ هي من بين صانعيه الأوائل.
المعرفة تسير في الاتجاهين
مفهوم التأهيل المرتكز على المجتمع نفسه وُلد من حاجةٍ بسيطة: أن الخدمات المتخصّصة لم تصل يومًا إلى أغلب من يحتاجها. و في إفريقيا، حيث تُختبر هذه الحقيقة كل يوم، طوّر الممارسون حلولًا مجتمعية مبتكرة قبل أن تتحول "اللامركزية" و "التوطين" و "الحلول المحلية" إلى مصطلحاتٍ رائجة في أدبيات التنمية. حين يتحدث العالم اليوم عن هذه المفاهيم بوصفها اكتشافًا جديدًا، نقول في CAN بهدوء: نحن نعيشها منذ عقود. هذا لا يعني أن لدينا كل الإجابات؛ بل يعني أن المعرفة يجب أن تسير في الاتجاهين. دوري كرئيسٍ لـ CAN وممثلٍ لإفريقيا في الشبكة العالمية أن أحمل تجارب قرى الصعيد والنيجر وجنوب السودان إلى طاولات النقاش الدولية، وأن أعيد منها ما يُغني ممارسينا. الجسر الحقيقي يحمل المرور في الاتجاهين.
لكن الصوت الإفريقي لن يُسمع عالميًا إن لم يُوثَّق محليًا. و هذه إحدى أعمق قناعات شبكتنا. منذ نشأتها، عقدت CAN ستة مؤتمرات قارية، و أصدرت ستة كتب، و نظّمت 15 ورشة لمهارات الكتابة في 13 دولة إفريقية. لماذا كل هذا التركيز على التوثيق؟
لأن كثيرًا من الدول الإفريقية تمارس تأهيلًا رائعًا لكنها لا تملك الدليل المكتوب للدفاع عنه أو مشاركته. و ما لا يُكتب، يُنسى أو الأسوأ، يُنسب لغير أصحابه. التوثيق في فهمنا ليس ترفًا أكاديميًا، بل شكلٌ من أشكال المناصرة، و أداةٌ لإعادة التوازن إلى رواية لطالما كُتبت من خارجنا.
لحظة إفريقيا على المسرح الدولي
في عام 2027، سيأتي العالم إلى إفريقيا. سيُعقد المؤتمر العالمي الثالث للتأهيل المرتكز على المجتمع و التنمية المجتمعية الدامجة في مصر و هو ليس حدثًا عابرًا، بل لحظةٌ رمزية و عملية في آن. رمزية لأنها تضع القارة في مركز النقاش العالمي بعد أن طالما وُضعت على هامشه. و عملية لأنها منصةٌ لعرض ما أنجزته إفريقيا، و لبناء شراكاتٍ جديدة، و لإسماع صوت ممارسي الميدان للعالم مباشرة. و نحن نعمل اليوم على ألا يكون المؤتمر احتفالًا شكليًا، بل مرآةً لإفريقيا بكامل تنوعها: مشاركة عادلة من كل الأقاليم، و أوراق علمية من القاعدة، و أصوات شبابٍ و أشخاصٍ ذوي إعاقة في القلب.
إن أردنا أن تُسهم إفريقيا في تشكيل حركة الإعاقة الدولية، فعلينا أولًا أن نؤمن بأن لدينا ما نُسهم به. لسنا ضيوفًا على هذه الحركة؛ نحن من بين مؤسّسيها. و المعرفة التي وُلدت في قرانا تستحق أن تصل إلى العالم بالثقة نفسها التي نستقبل بها معرفته.
السؤال ليس متى يعترف العالم بإفريقيا، بل متى نُحسن نحن رواية قصتنا بأنفسنا. و لنبدأ بذلك الآن.
Comments (0)