في الأسبوع الذي احتفل فيه العالم بمرور عشرين عامًا على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، كنت أفكر في مفارقة لا يلتفت إليها كثيرون: النهج الذي حمل مبادئ هذه الاتفاقية إلى ملايين البيوت في القرى و المجتمعات محدودة الموارد التأهيل المرتكز على المجتمع يعيش منذ سنوات تراجعًا هادئًا في رعاية المنظمات الدولية التي شاركت في بنائه. احتُفل بالنص في نيويورك، بينما تُترك الآلية التي توصله إلى الناس تتدبر أمرها وحدها.
نهجٌ وُلد من الواقع لا من المكاتب
لمن لا يعرف القصة: لم يولد التأهيل المرتكز على المجتمع في قاعة مؤتمرات، بل من سؤال عملي واجه العالم بعد إعلان ألما آتا للرعاية الصحية الأولية عام 1978: كيف تصل خدمات التأهيل إلى ملايين الأشخاص ذوي الإعاقة في بلدان لا تملك و لن تملك قريبًا مؤسسات متخصصة تكفيهم؟ و كانت الإجابة فكرة بسيطة و ثورية معًا: المجتمع نفسه يمكن أن يكون منصة التأهيل، بأسره و عامليه و مدارسه و مساجده و كنائسه و أسواقه.
نضج النهج عبر العقود: ورقة موقف مشتركة أصدرتها منظمة الصحة العالمية و منظمة العمل الدولية و اليونسكو عام 2004، ثم الأدلة العالمية للتأهيل المرتكز على المجتمع عام 2010 و معها المصفوفة الشهيرة بمكوناتها الخمسة الصحة و التعليم و كسب العيش و الحياة الاجتماعية و التمكين التي أعطت الميدان لغة مشتركة و إطارًا متعدد القطاعات يطابق روح الاتفاقية مادةً مادة. ثم تطور المفهوم نفسه إلى التنمية المجتمعية الدامجة، تأكيدًا على أن القضية ليست خدمةً تُقدَّم لفئة، بل مجتمعًا يُعاد بناؤه ليتسع للجميع.
عشت هذا التطور من داخله: في قرى صعيد مصر، و في برامج كيان، و عبر شبكات القارة الأفريقية. و رأيت بعيني ما تعجز التقارير عن نقله: أسرة تخرج من العزلة لأن عاملة مجتمعية طرقت بابها، و طفلًا يدخل المدرسة لأن أحدًا ربط بين أبيه و مديرها، و شابًّا يفتح مشروعًا صغيرًا لأن مجموعة ادخار محلية آمنت به قبل البنوك.
الانسحاب الهادئ
لم يصدر يومًا بيان رسمي يعلن تخلي منظمات الأمم المتحدة عن التأهيل المرتكز على المجتمع. ما حدث كان أهدأ من ذلك و أبلغ أثرًا: تحوّل الاهتمام المؤسسي في منظمة الصحة العالمية نحو مبادرة «إعادة التأهيل 2030» التي أُطلقت عام 2017 و ركزت على دمج إعادة التأهيل في النظم الصحية؛ و تقلص الدعم الفني و التمويلي المخصص للنهج المجتمعي عامًا بعد عام؛ و اختفى المصطلح تدريجيًا من الوثائق و الاستراتيجيات الدولية الكبرى حتى إن احتفالات الذكرى العشرين للاتفاقية مرت دون أن يجد النهج موضعًا يُذكر في خطابها.
و لأكون منصفًا: التركيز على النظم الصحية مطلوب و مهم، و مبادرة إعادة التأهيل 2030 سدّت فجوة حقيقية في موقع إعادة التأهيل داخل التغطية الصحية الشاملة. لكن النهج المجتمعي لم يكن يومًا برنامجًا صحيًا فحسب؛ كان إطارًا تنمويًا متعدد القطاعات يشمل التعليم و كسب العيش و المشاركة و التمكين. و حين انحصر الاهتمام الدولي في المكوّن الصحي، فقد الإطارُ الأوسع راعيه المؤسسي و بقيت أربعة أخماس المصفوفة بلا عنوان دولي يتبناها.
أكتب هذا بلا مرارة و بلا اتهام؛ فالمنظمات الدولية تعيد ترتيب أولوياتها لأسباب تخصها، بعضها وجيه. لكن من واجبنا تسمية ما حدث باسمه: نشأ فراغ قيادي عالمي، و الفراغ له ثمن و لا يدفعه من تركه، بل من لا يستطيع المغادرة.
احتُفل بالنص في نيويورك، بينما تُترك الآلية التي توصله إلى الناس تتدبر أمرها وحدها.
من يدفع ثمن الفراغ؟
البلدان مرتفعة الدخل لا تشعر بهذا الفراغ كثيرًا؛ فلديها أنظمة توصيل قائمة: تأمينات شاملة، و خدمات اجتماعية ممولة، و حكومات محلية قادرة. أما في بلداننا حيث تعيش الغالبية العظمى من الأشخاص ذوي الإعاقة في العالم فأنظمة التوصيل هشة أو غائبة، و كان النهج المجتمعي هو البنية التحتية البديلة الممكنة: الطريقة الوحيدة المجربة لإيصال الحقوق الخمسة صحة و تعليمًا و عملًا و مشاركة و تمكينًا إلى قرية لا يصلها سواه.
بدون آلية توصيل مجتمعية، تتحول حقوق الاتفاقية عمليًا إلى امتياز حضري: يناله من يسكن قرب الخدمات و يملك كلفة الوصول إليها، و يُحرم منه سكان القرى و الأطراف أي الأغلبية. و هذا هو التفسير الذي أراه الأقرب للمفارقة التي تحدثتُ عنها في مقالي السابق: قوانين في أكثر من 90% من الدول، و مؤشرات تنموية متعثرة كلها تقريبًا. النص موجود؛ الناقل غائب.
من يملأ الفراغ اليوم؟
الإجابة الصادقة: الذين لا يملكون رفاهية الانسحاب. الشبكات الإقليمية و أتشرف برئاسة المجلس الاستشاري الدولي للشبكة الأفريقية للتأهيل المرتكز على المجتمع (CAN) التي تعمل على ربط الممارسين عبر القارة و بناء مرجعية أفريقية للمعرفة في هذا المجال و الشبكة العالمية (CGN) التي تجمع الأقاليم، و الشبكات الوطنية، و منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة، و عدد من شركاء التنمية الأوفياء للنهج، و آلاف العاملين المجتمعيين الذين يواصلون المشي إلى آخر بيت في القرية بموارد تتضاءل.
و المعرفة لم تتوقف عن التراكم في غياب الرعاية الدولية. الأبحاث الميدانية الحديثة في قطاع التنمية الدامجة و منها دراسات صدرت هذا العام عن شركاء أوروبيين عاملين في القارة تؤكد خلاصة نعرفها من الممارسة: الاستدامة ليست مرحلة ختامية تُضاف في نهاية المشروع، بل قرار تصميم يُتخذ من اليوم الأول؛ و العامل الفاصل بين برنامج يبقى و برنامج يتبخر هو مأسسته داخل وزارة حكومية قائدة، بصلاحيات واضحة و موازنة محلية. هذه خلاصة تستحق أن تصعد من الميدان إلى طاولات السياسات.
ما المطلوب الآن: أربعة مسارات
أولًا، إعادة الاعتراف الدولي بالنهج المجتمعي الدامج آليةً معتمدة لتنفيذ الاتفاقية و أهداف التنمية المستدامة، و عودة اسمه إلى الوثائق و القرارات و المؤتمرات فالمصطلح الذي يختفي من الوثائق يختفي بعده من الموازنات.
ثانيًا، الإدماج في الأنظمة الوطنية: أن تتبنى خطط التنمية الوطنية و موازناتها النهجَ المجتمعي بدل تركه لمشاريع متناثرة قصيرة الأجل تموت بانتهاء تمويلها. التجربة تقول بوضوح: ما لا يدخل النظام الحكومي لا يستمر.
ثالثًا، الاستثمار في العامل المجتمعي: تدريبًا معتمدًا، و أجرًا عادلًا، و اعترافًا مهنيًا، و مسارًا وظيفيًا. هؤلاء هم البنية التحتية الحقيقية للميل الأخير من الحقوق، و ما زال معظمهم يعمل تطوعًا أو بأجور لا تليق بأثرهم.
رابعًا، تحوّل الشبكات من التبادل إلى التأثير: أن ترفع الشبكات الإقليمية و العالمية صوتها في السياسات لا في تبادل الخبرات فقط. و المؤتمر العالمي الثالث للتأهيل المرتكز على المجتمع و التنمية المجتمعية الدامجة، المنتظر عام 2027، فرصة يجب ألا تضيع لإعادة هذا الملف إلى الطاولة الدولية من الجنوب هذه المرة، و بقيادته.
خلاصة
المنظمات الدولية تملك أن تغيّر أولوياتها؛ القرية لا تملك أن تنتظر. و حين تراجع الرعاة الكبار، لم يمت النهج لأنه لم يكن يومًا ملكًا لهم؛ كان ملكًا للمجتمعات التي وجدت فيه طريقها إلى الكرامة، و للممارسين الذين حملوه قبل الأدلة وبعدها.
مسؤوليتنا نحن الذين ورثنا هذه الراية في مصر و أفريقيا و الجنوب العالمي ألا نكتفي بحراستها، بل أن نتقدم بها.
فالسؤال الحقيقي لم يعد: متى يعود الكبار؟ بل: هل نبني نحن قيادة المرحلة القادمة؟
أدعو كل ممارس و باحث و صانع سياسة يقرأ هذه السطور أن يكون جزءًا من الإجابة.
التعليقات (0)