كثيراً ما نتعامل مع نظرية التغيير كأنها نسخةٌ أكثر تطوراً من الإطار المنطقي طريقةٌ أذكى لنخطّط و ننفّذ و نتنبأ بالنتائج. لكن هناك طريقةً أخرى لاستخدامها، مختلفةً تماماً في روحها، و هي وحدها التي تستحق العناء بالنسبة لحركة حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
إطار هيفوس يميّز بوضوحٍ بين فهمين لنظرية التغيير. الأول يراها أداةً محسّنة للمنطق، لتحسين التنبؤ و التخطيط و الإنجاز و قد سمّاها بعض النقّاد ساخرين “الإطار المنطقي بحقنةِ منشّطات”. و الثاني يراها استكشافاً نقدياً متعدّد الأطراف للنوايا و المصالح و علاقات القوة، في خدمة العدالة الاجتماعية و المساواة. و الفرق بينهما يتكثّف في سؤالٍ واحد: تغييرٌ لمن، و لماذا، و من قال إنه التغيير المطلوب؟
و هذا السؤال ليس ترفاً فكرياً. ففي مجالنا، حين تُكتب نظرية التغيير في غرفةٍ لا يجلس فيها الأشخاص ذوو الإعاقة، فإنها حتماً ستحمل افتراضات الجالسين فيها افتراضاتهم عن “ما يحتاجه” هؤلاء الأشخاص، و عن “ما هو الخير لهم”. و هكذا يتسلّل منطق الرعاية و الوصاية إلى قلب التصميم، مهما حسُنت النوايا. و مبدأ “لا قرارات عنا بدوننا” ليس شعاراً يُرفع في الختام، بل سؤالٌ يجب أن يسبق كتابة أول سطر: من حضر حين تقرّر أن هذا هو التغيير؟
و لأن التغيير في جوهره إعادةُ توزيعٍ للقوة، فإن تحليل القوة هو قلب أي نظرية تغييرٍ جادّة. و قد قدّمت فينيكلاسن و ميلر إطاراً يميّز بين أربعة وجوهٍ للقوة، أراها كل يومٍ في عملنا:
هناك “القوة على” القوة بمعناها المألوف: السيطرة و الإكراه، علاقةُ رابحٍ و خاسر. و هناك “القوة مع” قوة التضامن و العمل المشترك، حين تتضاعف قدرات الأفراد بالتعاون. و هناك “القوة لـ” قدرة كل إنسانٍ على تشكيل حياته و عالمه. و أخيراً، و هي الأعمق في عملنا، “القوة من الداخل” إحساس الإنسان بقيمته و كرامته، و قدرته على أن يتخيّل و يأمل.
و هذه “القوة من الداخل” هي التربة التي تنمو فيها كل مناصرةٍ ذاتية. فلا يمكن لشخصٍ أن يطالب بحقه قبل أن يؤمن بأنه يستحقه. و كثيرٌ من برامجنا تقفز مباشرةً إلى التمكين الخارجي تشكيل المجموعات، الوصول إلى الخدمات متجاوزةً هذا الأساس الداخلي. و في تجربتي، أنجح برامج التمكين هي التي تبدأ من هنا: من استعادة الإنسان لإحساسه بأنه صاحب حقٍّ لا متلقّي إحسان. و هذا التحوّل، من نموذج الرعاية إلى نموذج الحقوق، يبدأ في الداخل قبل أن يظهر في السياسات.
و تحليل القوة يكشف أيضاً ما نفضّل ألا نراه. إنه، كما يقول الإطار، وسيلةٌ فعّالة لكشف أسباب الفجوات: بين الخطاب و الممارسة، بين السياسة و التنفيذ، بين الحل المقترح و النتيجة الفعلية. و هذا الكشف قد يكون مؤلماً، لأنه يُظهر أحياناً كيف تُمارَس القوة داخل منظماتنا نفسها، و كيف يتسلّل سلوك الوصاية تجاه الفئات التي نخدمها إلى صميم عملنا. لكن هذا الانزعاج بالذات هو علامةٌ أننا نطرح السؤال الصحيح.
نظرية التغيير ليست تمريناً تقنياً نُرضي به المانحين. هي، حين نستخدمها بصدق، مرآةٌ تسأل القوة عن نفسها: من يقرّر؟ من يستفيد؟ صوت من يُحتسب؟ و الدمج في جوهره عدالةٌ تُمارَس لا تُعلَن. فقبل أي برنامجٍ قادم، توقّف عند السؤال الذي يسبق كل شيء: من قال إن هذا هو التغيير المطلوب و هل كان أصحاب الشأن في الغرفة حين قيل؟
Comments (0)